الغائبون

قرأت عن قصة صبى سأل أباه الذى كان دائم الأنشغال عن سبب ذلك الغياب المؤلم، فأجاب الأب:أنه يعمل حتى يوفر لذلك الصبى و الأسرة حياة كريمة. فيسأل الصبى والده:كم تأخذ فى الساعة؟ فيخبره الأب عن رقم معين. الصبى بعد فترة يأتى بمبلغ من المال ثم يطلب من والده  قضاء بعض الوقت معه بعد  ان أعطاه ما جمعه من أموال قائلا: تفضل ذلك ما تتقضاه فى الساعة أرجوك أقضى معى بعض الوقت!

درست التسويق الى جانب دراستى للأعلام ، بالأضافة الى تخصصات شتى، و لكن النقطة التى أريد التركيز عليها هى؛ فكرة يستخدمها  العاملون فى التسويق و فى مجال الدعاية و الأعلان عند بيعهم بعض الخدمات التى تقدمها قطاعات عدة سواء فى مجال الطيران ، المطاعم او الفندقة محتواها الاتى

“We Sell Experience & Memories”

  لب الفكرة التى تستخدم فى أغراض الدعاية و الاعلان هى “أننا نبيع خبرات و ذكريات”، الناس تشترى تلك الذكريات و الخبرات كى تحيا عليها و تواجه بها تقلبات الدهر، هذه كلها لها علاقة “بالمشاعر و الأحاسيس”، أذا لماذ لا نستثمر منذ البداية فى تلك الأشياء المتعلقة بالمشاعر و الأحاسيس، لماذا نشتريها لاحقا من هنا أو هناك ، و هى ربما كانت متاحة لنا مجانا من قبل أحبابنا ، من يهتمون بأمرنا , ابناءنا و شركائنا فى الحياة؟

 تخيل المشهد التالى: زوجان أمضيا فترة الشباب فى اللاهث وراء رغيف الخبز، توفير السكن، الصحة ،الدراسة الرفيعة و الراقية لأبناءهم، جل فترة الشباب و خصوصا للأباء من تلك العينة تتمركز حول جمع المال، حتى تحيا الأسرة حياة كريمة ( و نحن بحاجة أيضا لتحديد تلك الحياة الكريمة ثم نطرح أشياء كثيرة تتخلى عنها الأسرة نفسيا و عاطفيا فى الوصول لتلك الحياة الكريمة، ثم ننظر و نتأمل فى الحصيلة المتبقية هل هى حقا الحياة الجميلة التى كان من الممكن ان تحياها تلك العائلة  ؟)

فى مرحلة ما، عندما يصبح الزوج و الزوجة كهلان، و بعد ان يستقل جميع الأبناء بحياتهم الخاصة يقررا السفر حول العالم و أكتشاف الكثير من الأشياء التى غابت عنهما بسبب أنشغال الأب بالعمل المتواصل ، و أنصراف الأم للقيام بواجباتها تجاه الأسرة، هكذا فى حين غفلة، ضاع من الأثنين أشياء كثيرة نتيجة أختيارات بدت لهما فى تلك الفترة من العمر أنها صائبة، لكن ربما حين تقل التزامات و ضغوطات الحياة، يتساءلان     عن مدى صحة أختيارات شتى

هما الان يقومان بشراء وعود  شركات الأعلان”الخبرات و الذكريات” ، لعلها تصبح شيئا يكون سند و حصن فى مواجهة الشيخوخة ، او ربما يريد الزوج تعويض الزوجة عن الأشياء التى ضاعت نتيجة سنوات الغياب.  ماذا عن الأبناء؟ و هل تعتبر تلك الزوجة هذه الرحلات او أى شىء  قد يقدمه الزوج التعويض الملائم؟!

و لكن ما يغفل عنه فى كثير من الأحيان من قبل هولاء الأباء ، أنه أشياء قيمة كثيرة تضيع منهم خلال ذلك الركض المتواصل المحموم ؛ الزوجة و الأبناء

 هذا الأب كان غائبا فى كثير من الذكريات الجميلة و العميقة مثل: حين نطق الأبن أو الأبنة أول كلمة لهما ايا كانت هذه الكلمات ، لم يكن متواجدا حين قام الأبن أو الأبنة بخطو أول خطوة لهما،أو حين كانا يمارسان العابهما المفضلة، أو حين حفظا أول صورة من القران الكريم، الكثير من حفلات التخرج، و غيرها من  الكثير من المناسبات  السارة التى كانت لتقوى أواصر الرباطة بين الأب، الأم  و أطفالهما

و بسبب ذلك الغياب المتكرر من حياة الأبناء تخلق فجوة بينهما، فما الأب الا بنك أو ماكينة لسحب الأمول ، و ذلك هو الدور الذى أختاره و أرتضاه لنفسه ، ان يمد الأسرة بالمال، فتنشأ رابطة مادية بين الأثنين، فالأم هى الوتد و النواة لكل ما هو مهم فى حياة الأبناء، و الوالد أصبح محفظة الأسرة. فى أحيان كثيرة  يصرخ العديد من الأباء لأنهم ما باتوا يعرفون أبناءهم، أو بان جيل الشباب جيل غير مفهوم! و يتساءل المرء: عن أى أبناء يتحدثون؟ فى عائلات عدة قد يكون أفراد شتى كثر، أكثر دراية بتفاصيل كثيرة يكون الأب بها جاهلا نتيجة غيابه عن الأسرة!

لا مائدة الطعام تجمع الأم، الأب و لا الأبناء، و لا أى نوع من  المناسبات  ،و لا أ ى نوع من الحوارات.    ان المتأمل المشفق على حال الكثير من  الأسر لربما يصاب بغمة و حزن كبيرين من الحال الذى وصلت اليه هذه الأسر، الأم باتت تقوم بدور الأب و دورها، و الزوج فى غياب دائم عن المنزل مهملا الأم و الأبناء، أكثر البيوت باتت على هذا المنوال الا من رحم الله،  و تحول المنزل و العلاقة التى كان من المفترض ان تكون مليئة بالدف و الحب ، و أساسها السكينة الى علاقة نزيل فى غياب دائم بالفندق الذى يقيم فيه، المنزل أصبح مكان للنوم، تناول الوجبات فى بعض الأحيان و مغسلة لغسيل الملابس و من ثم أرتداءها نظيفة،  ثم كل هولاء الأباء يتعللون بحجة واحدة “أنا أفعل ذلك من أجل الأسرة!”

 الأب يجيب على نفسه و يصنع أعذار مختلفة،ربما لو  كان سأل الزوجة و الأبناء لربما كانوا يختارون ان يعمل أقل لينعموا بدفء وجوده بينهم

كل تلك الذكريات القيمة، التى لها معنى,أثر و وقع  كبير على نفس الأسرة، و التى يقوم الأباء بمحاولة شراءها فيما بعد، ربما بكل ما تم ادرخاه فى فترة الشباب “تحويشة العمر” ، كل تلك الأشياء الجميلة كانت موجودة داخل جدران المنزل و مجانا، من غير تكبل أى نوع من مشقة مثل (حجز تذاكر طيران,فنادق، السفر، فيزا،الخ)، أو من خلال بذل أموال طائلة. كان الكثير من الخبرات و الذكريات التى كانت صالحة للأتكاء عليها فى الكبر، متاحة مجانا، لكن بسبب ربما قصر النظر ، أو لخلل فى سلم الأولويات ، فضل هولاء الأباء الأنشغال بتكديس الأموال أو الأنشغال بتحقيق طموح شخصى فردى.

و فى مرحلة لا يجدى معها الندم أو ألقاء اللوم على أى أحد أو القول ان كل شىء حدث بسبب الظروف ، يستفيق الأب ليجد نفسه على مشارف الشيخوخة مع زوجة و أبناء كان دائم الأنشغال و الغياب عنهما، أسرة أشك فى أنه قد يدعى أنه يعرفها تمام المعرفة أو أستثمر فيها بأى شىء سوى الأموال. و كما أنصرف الأب عن الأطفال فى صغرهم، لربما ينصرفون هم أيضا عنه فى حين كبره.

و فى النهاية يحضرنى حديث الرسول صلى الله عليه و سلم” ان لربك عليك حقا،و ان لنفسك عليك حقا،و لأهلك عليك حقا، فأعط كل ذى حق حقه.” 1

المراجع:

  http://www.salmajed.com/fatwa/findnum.php?arno=18719

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s