أكثر

حتى الصغار منهم من تجذر فيه البخل، و الانانية، و من يرى نفسه فقط المستحق لكل شىء، و أما الباقى فعليه بالفتات، و لا شىء اخر يستحقون او يليق بهم.

تتذكر طفولتهما، كانت تهديها الرث من الثياب، الاحذية المهترئة، الكتب، الدفاتر و الادوات المدرسية المتأكلة و القديمة، تلك التى تساقط عليها بواقى الطعام فتخجل ان يراها الاخرون، فبدل ان تلقى بتلك الاشياء فى مكب الزبالة ترميها الى وفاء. نجوان تهديها فقط ما لفظته، و ما عافته نفسها، لا تستطيع ان ترى اى شخص معه شىء جديد و جميل.

فهى الابنة المدللة لسيدة و سيد المنزل، و وفاء الابنة الوحيدة اليتيمة لمخدومتهم.

ببراءة الاطفال، و طيبتهم المعهودة كانت وفاء عكس نجوان تهديها كل جديد،  مما تمكنت من شراءه بمصروفها المدرسى المتواضع.

يوما سألت وفاء أمها غاضبة: لما نجوان و هى ثرية تهديها كل تلك الاشياء القديمة و القبيحة؟

أجابت والدتها: أحمدى ربنا أنها أفتكرتك أصلا!

بصوت قاسى و بتعبير بارد  أجابت وفاء قائلة: أنا مش أنتى يا أمى علشان أحمد ربنا على الذل، و ربنا ميرضاش بالذل.

من يومها،ا ما ان تحضر لها نجوان الاغراض القديمة حتى تتبرع بها وفاء الى ملجأ قريب.

و عندما دخلت الجامعة بدأت ببيع ملخص المحاضرات و أعطاء دروس لاثرياء الطلبة الذين يحضرون فقط أيام الامتحانات، بدأت تشترى أشياء جديدة و جميلة لنفسها و لأمها، و تتبرع للفقراء، كانت تمازح أمها قائلة:بكرة أريحك من الغلب ده.

لم يمهل بكرة أم وفاء الفرصة، توفت بازمة قلبية من كثرة متطلبات العمل و لكبر سنها.

أخبرتها أم نجوان انها تستطيع ان تستمر بالعيش معهم و  تقوم بنفس مهام أمها، شكرتها وفاء على كرمها و طلبت منها ان تعطيها فرصة كى تفكر، ضحكت نجوان قائلة: فرصة ايه انتى مجنونة و لا بتستهبلى!هو أنتى أصلا عندك ايه غير الحل ده و أحنا!

بقلب مثقل بالحزن و رأس يضج بالم حاد ردت وفاء بهدوء: عندى ربنا يا نجوان!

و فى الصباح الباكر حملت أغراضها و تركت المنزل. رحلت الى احد اصدقاءها فى القاهرة، بحثت عن عمل و وجدت فرصة فى مكتب محاماة، عملت بجانب دراستها، و تخرجت ضمن اوائل الدفعة. كان مدير المكتب الذى تعمل فيه يثق بها أكثر من ابنه الوحيد، كان يدعها تقوم بكافة المهمات الشاقة و يقول انها تذكره بشبابه، و يتمنى لو كان ابنه مثلها!

بعد عشر سنوات توفى السيد وليد مديرها و من كانت تعتبره بمثابة ابيها، جعلها شريكة فى المكتب، و أوصى ابنه أشرف بان تكون وفاء  مستشارته فى كل ما يخص العمل.

كانت علاقة وفاء باشرف فقط ضمن نطاق العمل، و بعد عدة شهور بدا يحدثها عن حياته الخاصة، كان يقضى معظم يومه معها، و حدث ما كانت تخاشه؛ وقع الاثنان فى الحب، حاربت وفاء كثيرا مشاعرها تجاه اشرف و لكن رضخت لها فى النهاية.

قالت لاشرف: انا مش عاوزة ابقى الست اللى خربت بيت ست زيها و شردت ولاد واحدة غيرها.

نظر اشرف لها باسى ثم قال: مفيش بيت، انا عمرى ما حسيت انى متجوز، انا بحس انى عيل فى مدرسة و مراتى الست الناظرة!

تزوج اشرف و وفاء و ذهبا فى رحلة حول العالم، و فى أثناء شهر العسل طلق زوجته.

حملت وفاء و بسبب متاعب الحمل نصحها الاطباء بالامتناع عن العمل، كانت تساعد زوجها من خلال وسائل الاتصال الحدثية فى مهام العمل.

كانت تقضي يومها فى الكتابة، مساعدة زوجها، و القيام بحملات تبرع للفقراء، لم تسأله يوما عن زوجته، و لكن كانت تطلب منه دائما رؤية ابناءه، وعدها باحضارهم حتى يتعرفوا علي بعضهم.

فى احد الايام كانت تقوم ببعض المهام عندما قرع جرس الباب، ذهبت و فتحت الباب، ثم رأت أمامها اخر شخص كانت تتوقع رؤيته!

دفعت نجوان الباب بشدة و دخلت دون استئذان قائلة: الرجالة كده، مش بيحبوا غير العك و الحاجات البئية البلدى، هوا بقى خرب بيته علشان الخادمة بتاعتى!

ردت وفاء قائلة: الحياة معلمتكيش حاجة يا نجوان، أنتى لسة زى ما أنتى!

ـ و انتى زى ما انتى سافلة، حقودة و غيورة، و بتاخدى حاجتى القديمة دائما!
ـ أنا اخر مرة خدت فيها حاجة منك كان عندى عشر سنين، و مشيت علشان اللى حاجة الوحيدة اللى كان بتربطنى بكم راحت عندد اللى خلقها، يمكن ده امتحان ليا، أنا كرهت كل حاجة قديمة كنتى بترميها ليا،  و دلوقتى لازم انا اسال نفسى جوزك القديم هل اخده و لا ارميه؟!

ـ اوعى تفتكرى انى هسمح انه يلمسنى بعد ما لمس واحدة زيك!

ـ انا شريكة فى مكتب جوزك، و ام ابنه، حبيبته و مراته، و انا فعلا مش هتخلى عنه عارفة ليه؟! علشان يا نجوان انتى محدش غرس فيك غير الانانية المفرطة، و فاكرة الدنيا كلها رهن اشارتك، و انك مركز الكون و الكل بيدور فى فلكك، بخيلة فى حبك و عطاءك مع أصحابك، جوزك،  و كل حد، و فاكرة انهم هيستحملوا ياخدوا الفتات اللى بتتبرعى و تتكرمى به، هدوم مقطعة، حب ناقص، عواطف بتديها للناس زى الدوا بحساب، كمية و ميعاد!

تركت منزلكم علشان كنت عاوزة اكثر، و جوزك كمان تركك علشان عاوز أكثر، كلنا بندور على البقعة ذات الاشياء الاكثر، سواء ضوء، حب، فلوس، مركز و لا خضرة اكثر!

انتى مفيش فى قاموسك غير فضلات الاشياء، تعطى البواقى،  و كل انسان عنده كرامة لا يقبل بهكذا هوان، أطلعى برة!

دفعت وفاء بنجوان الى خارج منزلها و أغلقت الباب، و أوصت حارس المنزل بان لا يمسح لها بالدخول مرة أخرى، ثم أنصرفت كى تنهى بقية أعمالها.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s